ابو القاسم عبد الكريم القشيري

604

لطائف الإشارات

ويقال « الْخَبِيثاتُ » : من الأشياء للخبيثين من الأشخاص ، وهم الراضون بالمنازل السحيقة . . . وإنّ طعام الكلاب الجيف . ويقال « الْخَبِيثاتُ » : من الأموال - وهي التي ليست بحلال - لمن بها رتبته ، وعليها تعتكف همّته ؛ فالخبيثون من الرجال لا يميلون إلّا لمثل تلك الأموال ، وتلك الأموال لا تساعد إلا مثل أولئك الرجال . قوله جل ذكره : وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ . « الطَّيِّباتُ » : من الأعمال هي الطاعات والقرب للطيبين ، والطيبون هم المؤثرون لها والساعون في تحصيلها . « وَالطَّيِّباتُ » : من الأحوال - وهي تحقيق المواصلات بما هو حقّ الحق ، مجرّدا عن الحظوظ - « لِلطَّيِّبِينَ » من الرجال ، وهم الذين سمت همّتهم عن كلّ مبتذل خسيس ، ولهم نفوس تسمو إلى المعالي ، وهي التجمّل بالتذلل لمن له العزّة . ويقال الطيبات من الأموال - وهي التي لا نكير للشرع عليها ، ولا منّة لمخلوق فيها - للطيبين من الرجال ، وهم الأحرار الذين تخلّصوا من رقّ الكون . ويقال « الطَّيِّباتُ » من الأشخاص وهن المبرّات من وهج الخطر ، المتنقيات عن سفساف أخلاق البشرية ، وعن التعريج في أوطان الشهوات - « لِلطَّيِّبِينَ » من الرجال الذين هم قائمون بحقّ الحقّ ؛ لا يصحبون الخلق إلا للتعفّف ، دون استجلاب الشهوات . لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ لهم مغفرة في المآل ، ورزق . كريم في الحال وهو ما ينالون من غير استشراف ، ولا تطلب طمع ، ولا ذلّ منّة « 1 » ، ولا تقديم تعب « 2 » . قوله جل ذكره : [ سورة النور ( 24 ) : آية 27 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 27 )

--> ( 1 ) أي ( منّة ) من مخلوق . ( 2 ) ( التعب ) الذي ينشأ عن الاستعجال وعدم التفويض ونقص الثقة .